عبد الشافى محمد عبد اللطيف
111
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
صلح الحديبية الذي كان في نهاية العام السادس الهجري . فهل توافق كل هذه الحوادث الكبيرة والخطيرة ، والتي غيرت مجرى التاريخ العالمي كله ، وأثرت في مصير البشرية ، ووجهته وجهة جديدة ، هل كان هذا التوافق مجرد مصادفات ، أو أن في الأمر تدبيرا إلهيّا يريده اللّه ولا ندرك نحن أبعاده ؟ . . . اللّه وحده هو الذي يعلم حقيقة ذلك . على كل حال كان من حسن الحظ - كما أسلفنا - أن الإسلام ظهر وقوي واشتد عوده ومضى على ظهوره ما يقرب من عشرين عاما ، قبل أن يتنبه الفرس والروم كلاهما لخطورة ما حدث ، ولم يقدروا أبعاده ، ولم يستطيعوا أن يفهموا أن دينا جديدا قد نزل ، وأن دولة جديدة قامت على أساس هذا الدين . وأن العرب - الذين كانوا يحتقرونهم بالأمس - سوف يخرجون من جزيرتهم تحت راية هذا الدين . وسوف يدعونهم للدخول في دينهم ، فإن أجابوا فهم إخوانهم ؛ لهم ما لهم وعليهم ما عليهم ، وإن رفضوا وقاوموا الدين وصدوا الناس عنه ؛ فسوف يحاربونهم ويقهرونهم جميعا ، وينتزعون منهم سيادة العالم ، وسوف يخلصون الشعوب من نير حكمهم واستغلالهم ، ويوجهون مصيرها وجهة صالحة نافعة ، ويخرجونها من ضلالات الوثنية والشرك باللّه إلى توحيده توحيدا خالصا من كل شائبة ، وسوف يقيمون العلاقات الإنسانية على أسس فاضلة ومثل عليا . فلما بدأ الفرس والروم جميعا . يدركون أن الإسلام خطر على سلطانهم ، وأرادوا مقاومته كان الوقت متأخرا جدّا بالنسبة لهم . ففي خلال هذه السنوات التي انشغل فيها الفرس بالروم والروم بالفرس ، استطاع النبي صلّى اللّه عليه وسلم أن ينشر الإسلام في شبه الجزيرة العربية . وأن يؤسس دولة الإسلام الفتية . وأن يخرج بالإسلام من شبه الجزيرة العربية إلى العالم ، فالإسلام لم يأت للعرب وحدهم ، وإنما لكل الجنس البشري ، وهنا بدأت العلاقات بين المسلمين والروم . * المسلمون قبل اتصالهم بالروم : في الفترة المكية من حياة الإسلام ، كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم مشغولا بأمر قريش ودعوتها إلى الإسلام ، ومقاومتها للإسلام . فلم يكن ممكنا ولا منطقيّا أن يخاطب العالم الخارجي ويدعوه للإسلام ، قبل أن يسلم أهل مكة وهم أهله وعشيرته الأقربون . ولم يحدث اتصال - في تلك الفترة - بأمم أخرى غير العرب ، سوى ذلك الاتصال